كتب: عبد الرحمن سيد

استعاد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مدينة الرياض في الخامس من شوال 1319هـ، الموافق 15 يناير 1902، لتبدأ من تلك اللحظة واحدة من أبرز المحطات في تاريخ المملكة العربية السعودية، بعدما تحولت الرياض إلى نقطة انطلاق لمسيرة طويلة قادت إلى توحيد البلاد وتأسيس الدولة.

شعار «عزنا بطبعنا»

وبعد أكثر من قرن، تستحضر المملكة هذه المسيرة في يومها الوطني تحت شعار «عزنا بطبعنا»، مستعيدة قصة التأسيس ومراحل البناء، وهي تواصل في الوقت نفسه مسارا جديدا من التنمية والتحول وتعزيز حضورها إقليميا ودوليا.

وتحتفي المملكة العربية السعودية، قيادة وشعبا، باليوم الوطني وهي تستحضر ملحمة التوحيد التي قادها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وتستند إلى إرث وطني رسخ وحدة البلاد وصان هويتها، فيما مضت الدولة عبر عقود متتالية في بناء مؤسساتها وتطوير قطاعاتها المختلفة، وصولا إلى مرحلة تركز فيها على تنويع الاقتصاد وتمكين القدرات الوطنية والاستثمار في المستقبل.


وتأتي هذه المناسبة فيما تواصل المملكة مسيرتها بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، مستندة إلى تاريخها وإرثها، وفي الوقت ذاته إلى مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي أقرت في أبريل 2016، بعد أن قدمها سمو ولي العهد، لتكون خريطة طريق للتحول الاقتصادي والتنموي، ورفع كفاءة الأداء الحكومي، وتنويع مصادر الاقتصاد وتمكين القدرات الوطنية.

مسيرة امتدت لتوحيد مناطق البلاد

وقبل الوصول إلى هذه المرحلة، كانت عملية بناء الدولة قد بدأت مباشرة مع اكتمال مشروع التوحيد فبعد مسيرة امتدت لتوحيد مناطق البلاد، صدر في 17 جمادى الأولى 1351هـ، الموافق 19 سبتمبر 1932، الأمر الملكي بإعلان توحيد الدولة وتسميتها «المملكة العربية السعودية»، على أن يبدأ العمل بالاسم الجديد في 21 جمادى الأولى 1351هـ، الموافق 23 سبتمبر 1932، لتدخل البلاد مرحلة جديدة عنوانها تأسيس مؤسسات الدولة وترسيخ أركانها.


ولم تتوقف جهود الملك عبدالعزيز عند توحيد الأرض، بل امتدت إلى بناء أجهزة الدولة وتنظيم القضاء وترسيخ الأمن والاستقرار، إلى جانب تطوير قطاعات التعليم والصحة والطرق والنقل والاتصالات والزراعة والمياه، في مسار وضع الأسس التي قامت عليها عملية التنمية خلال العقود اللاحقة.

وفي الجانب الاقتصادي، جاءت صناعة النفط لتفتح فصلا جديدا في تاريخ المملكة؛ إذ شهد عهد المؤسس توقيع اتفاقية التنقيب عن النفط عام 1933، قبل أن يتم اكتشافه في بئر الدمام رقم «7» عام 1938، ثم تصدير أول شحنة من رأس تنورة في العام التالي، لتبدأ مع هذه الخطوة مرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية في البلاد.

وفاة الملك عبدالعزيز

وبعد وفاة الملك عبدالعزيز عام 1953، واصل أبناؤه مسيرة البناء والتنمية، وشهدت المملكة خلال عهود الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله - رحمهم الله - توسعا في مؤسسات الدولة وقطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية والاقتصاد، بالتوازي مع العناية بالحرمين الشريفين وتعزيز حضور المملكة عربيا وإسلاميا ودوليا، لتتراكم بذلك مراحل التطوير التي نقلت الدولة من مرحلة التأسيس إلى مراحل أكثر اتساعًا من التنمية.

رؤية السعودية 2030

ومع تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الحكم في يناير 2015، دخلت عملية تطوير مؤسسات الدولة مرحلة جديدة، شهدت تطوير المنظومة الإدارية ورفع كفاءة الأجهزة الحكومية وإعادة هيكلة عدد من القطاعات، قبل أن تأتي رؤية السعودية 2030 في أبريل 2016 لتمنح مسار التحول الاقتصادي والتنموي إطارا أكثر شمولا، من خلال تنويع مصادر الاقتصاد ورفع كفاءة الأداء الحكومي وتمكين الكفاءات والقدرات الوطنية.

وفي إطار هذه الرؤية، يواصل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قيادة برامج ومشروعات في مجالات اقتصادية وتنموية وتقنية وثقافية متعددة، بالتوازي مع تعزيز الهوية الوطنية والاستثمار في الإنسان السعودي، فيما رافق التحول الداخلي انفتاح متزايد على الشراكات الدولية، من بينها زيارة سمو ولي العهد إلى الولايات المتحدة في نوفمبر 2025، وزيارته إلى فرنسا في أغسطس 2026، وما صاحب ذلك من مبادرات واتفاقيات لتعزيز التعاون والاستثمار.

وامتد هذا الحضور إلى الملفات الإقليمية والدولية، بالتزامن مع دعم الجهود الإنسانية، إذ حققت المملكة المرتبة الثانية عالميا والأولى عربيا بين الدول المانحة للمساعدات الإنسانية والإغاثية، وفق منصة التتبع المالي التابعة للأمم المتحدة، في مؤشر يعكس جانبا من حضورها في المجال الإنساني إلى جانب أدوارها السياسية والاقتصادية.

وعلى المستوى الاقتصادي، جاءت مؤشرات التنافسية والاستثمار لتضيف بعدًا آخر إلى التحولات التي تشهدها المملكة، بعدما تقدمت السعودية إلى المرتبة الـ13 عالميًا والثالثة بين دول مجموعة العشرين في تقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية 2026، فيما بلغ صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 32.6 مليار دولار خلال 2025، مسجلًا نموًا يقارب 53%.

وبالتوازي مع التحول الاقتصادي، برزت التقنية والبيانات والذكاء الاصطناعي كمسارات رئيسية في عملية التطوير، إذ سجلت المملكة المرتبة الثانية عالميًا في مؤشر نضج الحكومة الرقمية لعام 2025، كما فازت، ممثلة في الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، بجائزة الأمم المتحدة للخدمة العامة لعام 2026 عن «بنك البيانات الوطني» ومنصة «استشراف».

وعزز مؤتمر «ليب 2026» في الرياض هذا المسار، بعدما شهد الإعلان عن استثمارات وشراكات وإطلاقات تتجاوز قيمتها 15 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، بما يبرز اتساع نطاق التحول التقني وتداخل التكنولوجيا مع مسارات التنمية والاقتصاد والخدمات الحكومية.

ولم تقتصر التحولات على الاقتصاد والتقنية، إذ امتدت إلى البيئة، مع إعلان تأهيل أول مليون هكتار من الأراضي المتدهورة ضمن مبادرة السعودية الخضراء، إلى جانب حصول المملكة على جائزة أممية تقديرًا لجهودها في إصلاح الأراضي وحماية النظم البيئية والتنوع الأحيائي.

وفي الوقت ذاته، حافظت المملكة على حضور التراث ضمن مسار التنمية، بعدما تحقق مستهدف تسجيل 50 ألف أصل من أصول التراث العمراني على مستوى المملكة، فيما واصل الطلبة السعوديون حضورهم في المنافسات العلمية الدولية بحصد 24 جائزة في «آيسف 2026»، إلى جانب ميداليات وإنجازات في أولمبياد العلوم النووية الدولي.

وبين الرياض التي انطلقت منها مسيرة التوحيد، والمملكة التي تحضر اليوم في ميادين الاقتصاد والسياسة والعلوم والتقنية والثقافة، تتصل حلقات قصة وطن بدأت باسترداد مدينة، ثم توحيد أرض، ثم بناء مؤسسات، وصولا إلى مرحلة جديدة من التحول والتنمية والانفتاح على الشراكات الدولية.

ولهذا تحمل مناسبة اليوم الوطني السعودي دلالة تتجاوز استعادة ذكرى تاريخية؛ فهي تستحضر مسيرة بدأت بالتوحيد وتواصلت بالبناء، بينما تمضي المملكة اليوم في تنفيذ رؤيتها للمستقبل وبين إرث المؤسس ومنجزات الحاضر، تبقى راية التوحيد جامعةً لأبناء الوطن، فيما تمثل مسيرة التنمية مسؤوليةً متواصلة يحملها السعوديون نحو المستقبل.